.مش روكي إلي ببالك

يمكن أول و أخر مرة سمعت فيها عن جبال الروكي كانت في الصف السادس. رح أكذب لو قلت إني كنت مهتمة أو عمري اهتميت بالجغرافيا. رح أكذب لو قلت إني كنت عارفة وين رايحة لما سافرت على بحيرة لويز، أو كيف بوصللها، أو شو ممكن أتوقع أشوف. مش رح أكون منافقة، ورح أعترف إنه بعد ما حجزت التذكرة، حضرت كم فيديو على يوتيوب عشان أعرف وين رايحة. حتى إني اشتريت كتاب “لونلي بلانت” عشان أتأكد إني فاهمة كل شيء قبل ما أسافر.

زي باقي الناس، شفت كم صورة على إنستغرام بعنوان “١٠ أماكن لازم تزورها قبل ما تموت”، وكانت واحدة من هالأماكن هي بحيرة لويز. بعد ما بحثت شوي، اكتشفت إن هالمنطقة تقريبًا مخصصة للتخييم وتسلق الجبال، ومصممة للرياضات المتطرفة. مش مهم، قلت لنفسي إني كمان رياضية عادي يعني. هذا كان كلامي من الخارج، لكن من الداخل كنت كتلة من التوتر. صحيح إني برفع أثقال و بلعب فنون قتالية، لكن ما عندي أي فكرة عن الجبال، ولا عن التسلق، ولا عن الدببة السود. فقررت أرجع أقرأ، وما خليت قناة يوتيوب إلا واشتركت فيها. كل يوم صرت أطلع على الـ”تريد ميل” وأمشي.

كان هدفي إني أتعلم كيف أدبر أموري، وما أنهار عالجبل، وأطلع بسواد الوجه. أبو العريف ما بده ينخزي!

بلا طول سيرة، عملت خطتي وسافرت من دبي على مونتريال، ومن مونتريال على كالغاري، ومن كالغاري استأجرت سيارة وطلعت على بانف. وصلت لبانف، صفّيت السيارة، ومشيت باتجاه بحيرة لويز. آخ على بحيرة لويز! بس ما رح أوصفها، افتحوا جوجل وشوفوها. المهم، من بحيرة لويز بلشت أطلع الجبل وبدأت رحلتي بالمشي اللي بيكشف منظر بحيرة لويز من فوق.

وأنا ماشية على بداية المسار، صرت أطلع على الناس اللي قاعدة تشرب قهوة، وأقول لنفسي كان ممكن أكون أنا هناك. لكن لا، اخترت هيك أعمل بإجازتي الوحيدة. دايمًا بعمل هيك بحالي! كان عندي حوار داخلي عقيم، نتيجة توتر أسابيع طويلة. ليش؟ بس عشان ما أطلع بسواد الوجه، رغم إني كنت مسافرة مع شريكتي، يعني المفروض ما في سواد وجه. بس إشي ومنو يعني! لأن رأسي كان مليان بالتخطيط الزايد.

أنا ما عمري كذبت وقلت إني عارفة، حتى التدريب ضد الدببة حضرناه مع بعض. المهم، كان شعوري في مكانه. من أول خطوة على المسار بلش الطلوع، ومو أي طلوع، لا، طلوع قاسي زي اللي على التريد ميل بانحدار ١٠٪. قلت يا ربي، أنا آخر جبل تسلقته كان بموريشيوس قبل سنة تقريبًا، وكان ثلاثة أرباعه مشي وطلعت روحي وما صدقت خلصت. هلق شو رح يصير فيي؟ معقول إني تعبانة لأنني وصلت من الطيارة مبارح؟ معقول لياقتي سيئة لهالدرجة؟ كنت عارفة إنه كان لازم أنزل ٥ كيلو قبل ما أطلع الرحلة.

صار في بالي ألف سؤال: معقول أطلع العصاية من هلق؟ العصاية اللي قلت لنفسي “شو بدي فيها؟” ليش العالم كله عم تسبقنا؟ واحد حامل ابنه على ظهره سبقنا، واحدة ٣ أضعافي سبقتني، وأنا لسا في أفكار سلبية. بعد ٤٠٠ متر من هاي الأفكار، قررت أشغل الساعة عشان أعرف شو مضى وشو ضايل.

ويا ربي شو كان ضايل! هم كاتبين إن الجزء الأخير من المسار هو الصعب، طب أنا في البداية وهيك؟ شو رح يصير بالنهاية؟ من كثر ما كنت مشغولة بأفكاري، يا دوب شفت الطريق. ولما وصلت لنقطة الاستراحة قبل “المسار الصعب”، صرت أقول في بالي: بلكي إجى دب وسكّر الطريق!

لكن فجأة لقيت حالي واقفة قدام جبل شكله زي خلية النحل، وتذكرت واحد من الفيديوهات اللي حضرتها إنه النفس بيضيق مع تغير الضغط. ولأول مرة نظرت للموقف بإيجابية وقلت: الله أكبر، كلها كيلو ونص يعني شو ممكن يصير؟

وكنت هالمرة غلطانة! تسلق الجبل كان عبارة عن “زيج زاج”، وصرت أريح عند كل زاوية، وكل خط مستقيم كان عبارة عن ١٠٠ متر. يعني أخدت مليون استراحة بدون مبالغة. وكل ما شفت الناس اللي عم تنزل من فوق كرفتة، فهمت ليش صعب هالطلوع.

المهم، بالنهاية وصلنا. وصلنا المكان اللي مشينا له خمس ساعات عشان نوصل. طيب وهلق شو؟! بصور، بريح، باكل، بصلي، وبعدين؟! يا أخي، صار لي خمس ساعات ماشية، اتكسرت رجلي، وما في حدا فوق يزقفلي.

أخذت مليون صورة من فوق، وحاولت أشرح لنفسي كيف أوصف اللي عشته. و صار وقت النزول. فكرت النزلة رح تكون أسهل، بس أكيد كنت غلطانة.

بعد ثماني ساعات مشي، وصلنا للفندق. الحمد لله كنا حجزنا أول ليلة بفندق، وباقي الثمانية أيام بخيمة. شكرت الله مليون مرة على التخت والأكل والحمام السخن. وبس كنت عم بفكر بشغلتين: أول شيء، كيف بدي أصحى ثمانية أيام وأعمل نفس الشيء؟ والثاني، إنه هاد الشيء اللي عملته كان من أصعب الأشياء اللي عملتها بحياتي.

وبعد هذا اليوم، صحيت كل يوم ومشيت حسب الخطة بالضبط. وخلصت الرحلة وأنا بقول إنها ممكن تكون “رحلة العمر”. رجعت على دبي، وكان عندي “جت لاغ” مخيف، بس مو هذا المهم.المهم إنه كل الليل، وأنا مغمضة عيوني وصاحية، بلاقي حالي ماشية على المسار. من كثر التعب، انحفر المسار جواي. صار هذا المسار هو مكان هروبي السعيد والتعيس بنفس الوقت.

صار لي ثلاث سنين ضايعة ببعض قراراتي ومش قادرة أخدطريق. مو لأنني مش عارفة، لكن لأني عارفة إن الطريق اللي بدي ياه صعب وبدو تعب، وممكن أضطر أبلش من الأول. استسلمت للأمر الواقع، وحسيت براحة ما حسيتها من سنين.

واكتشفت إني كنت محتاجة شي يهزني ليذكرني بالمقولة: “فليكن همك السعي، لا الوصول.”