.بتشبهك فيروز

صار لي 3 أشهر عم بأجّل أكتب عنك.
كل مرة كنت بقول “بكرة”… يمكن لأني مش عارفة كيف أبلّش،
مع إني عارفة شو هي النهاية من أول يوم.

مبارح مات زياد الرحباني.
وقبل مبارح أنا وصلت كندا.
واليوم صحيت، وقلت لحالي: اليوم هو الوقت.
اليوم هو اليوم اللي لازم أكتب فيه.

ليش؟ لأسباب كتيرة…
أول سبب: لأني دفنتك بكندا.
تاني سبب: لأن فيروز بتذكّرني فيكي. في شي بملامح فيروز بيشبَهك.
وتالت سبب… لأنّي كان نفسي أعرف شو رأيك بزياد الرحباني.
بتحبّيه أو بتكرهيه؟
أنا بعرف إنك ما عندك بحياتك حلّ وسط.
كنت دايمًا بحب أعرف رأيك بكل شي.
لأني كنت بعرف إنّه مش “رأيي عشان كلام فاضي و بس”.
كنتي دايمًا قارئة مليون شي، سامعة مليون شي، حاكية مع مليون شخص،
وبعدين توصلي لقرارك… سواء كان سياسي أو غير سياسي.
كان نفسي أعرف رأيك فيه.
كان نفسي أتناقش معك.
بس… ما رح نتناقش.
ما عاد ضل حدا أناقشه بهالدنيا،
ما عاد ضل حدا يسمعني أو يعطيني رأي جديد…
رأي مش من فراغ،
رأي من حدا قارئ، فاهم،
مش من حدا شايف فيديوهين على السوشيال ميديا وبيحكي.
مش مهم، هيك الدنيا صايرة غريبة. 

كنتي دايمًا تحبّي الحكي… مش التصوير ولا الـ activities،
الحكي! كنتِ تحبّي تناقشي، تحبّي صوتك ينسمع.
و بطبيعة الحال، أكتر شي بتزكرو فيكي هوة صوتك…
وأنا بتحمّم.
وأنا عم بمشي بمكان غريب.
بأغرب الأوقات و و دايما بنبسط.

وحدة من الذكريات الي رجعتلي هية
وإحنا صغار، كنت دايمًا أسألك أسئلة.
وأكتر سؤال كنت أسألك إياه:
“قدّيش عمرك؟”
وكان هذا السؤال الوحيد اللي ما كنتِ ترضي تردّي عليه.
ولا مرة فهمت ليش.
مع إنك وقتها ما كنتِ كبيرة،
بس إحنا كنا نفكّرك كبيرة.
كنتِ دايمًا تضحكي وتردّي:
“ما خصكم، طز عليكم!”
ولما كان عمري 7 أو 8 سنين…
وأول مرة سافرت على أمريكا،
كنتِ دايمًا تعطيني كمية معلومات ما كنت أعرفها.
الواحد بيمرّ بحياته بيسمع مليون نصيحة،
بس قليل جدًا اللي بتعلق براسه.
وأول معلومة أعطيتيني إياها:
“خدي معِك علكة.”
يمكن النصيحة بتضل عايشة لأنهّا ما كانت تنقال مرة.
يمكن لأنك كنتِ تعيديها 20 مرة،
عشان تتأكدي إنّي سمعت.
بعرف إنّ العالم كان يتضايق من هالشي…
يقولولي: “خلص، انفجرنا من كتر الحكي!”
بس أنا؟
أنا ولا مرة انزعجت.
كنت أسمع الخمس مرات لحد ما توصل المعلومة.
وبعدين أسمع العشرين مرة التانية من غير ما أرد…
لأني كنت خلاص، فهمت.
كنتي تضحكي و تقولي “أنا بعرف إنك طنشتي”.
بوقتها ما كنت بعرف شو يعني يكون الواحد مسكّرة دانو بالطيارة.
بس أنا، حرفيًا، سمعت نصيحتك.
أخدت العلكة،
وحطّيتها، و أكلتها عالإقلاع، سكرت داني ثانية  وفتحت بس مضغت العلكة.
ومن يومها وأنا بعرف كيف أفتح ديناي بالطيارة.
ومن يومها… أي حدا ديناه مسكّرين…
بعطيه علكة.
يمكن لأن النصيحة اللي أعطيتيني إياها كانت مهمة،
وفادتني، وتعلّمت إني أسمعلك.
بعد ما توفّيتي…
أول شي عملته إني كتبت كل شي بتزكرك حكيتي.
كل النصايح، كل المعلومات الغريبة اللي قلتيها.
كلها صارت مكتوبة عندي. صرت اتذكر مقتطفات، صور من محادثات، و نقاشات صارت بينا من سنين.

قبل فترة كنت ماشية بالشارع، وشفت بلوعة.
ضحكت…
لأني تذكّرت كيف وإحنا صغار كنتِ تحذرينا منها.
كنتِ تحكي: “في ولاد جرفهم السيل من البالوعة… وماتوا!”
وبطبيعة الحال، سمعنا المعلومة 20 مرة.
يمكن صار عمري 35،
بس لليوم، وأنا ماشية بالشارع…
ما بدعس على البالوعة.

الناس بتسمع الحديث عشان تستناك تخلص حكي… عشان يحكوا.
… وأنا وحدة منهم.
بس إنتي؟
إني كنتِ تسمعيني عشان تسمعيني، عشان تاخدي كل معلومة و تحليلها.
و مع كل علمك، ما في حدا صغير عليكي لتسمعي.
يمكن عشان هيك كان عندِك مليون معلومة.
يمكن عشان هيك كنتِ متحدثة رائعة.
ويمكن عشان هيك…
كل مرة كنت أرجع من سفرة،
كنتي أوّل حدا يقعد معي ويقول:
“يلا… احكيلي! شو آخر مغامراتك يا ست فرح؟”
ما حدا غيرك كان يفرُق معه مغامراتي.
كنتِ تسمعي كل حرف، كل كلمة، بنَهَم… بنَهَم مُخيف.
كنتِ رائعة.
و تقولي واووووو شو حلو.
كنتِ تخليني أحس إني أهم إنسانة بالدنيا.
آخر سفرة سافرتها كانت على بيليز.
توفيتي قبل ما أسافر بيوم.
كنتِ راح تحبّيها كتير.
كنت راح أخبرك عن كل السمك اللي شفته، عن كل مكان رحت عليه.
كنت حابة أفرجيكي صور كتير.
… بس ما صار.

كنتِ تهتمّي بكل التفاصيل.
كل شي عندِك كان إلو قيمة.
وكنتِ دايمًا تقوليلنا:
“نحن ما لازم نستخفّ بالأشياء.”
يمكن كان في أشياء ما إلها معنى عند غيرك…
بس عندِك؟
كل شي إله معنى.
كنت أنا مستشار الكمبيوتر، تستني بس أجي و تحكيلي
“تعالي شوفيلي اللابتوب… عندي مشكلة فيه.”
وبس توفّيتي…
فتحت كمبيوترك.
شفت فولدر اسمه “فرح”.
كنتي كاتبة عليه كل الخطوات الي قلت لك اتبعها.
كل شي إلو فيمة. 

أنا بعرف إنك كنتِ تخافي من كل شي،
بس ما كنتِ تخافي من حدا.
كنتِ دايمًا تحكي رأيك بصراحة،
وتكرهي الثلج، والشتا، والحر، والرياضة،
وكل شي ما بتحبّيه كنتِ صريحة فيه.

بس يوم من الأيام قلتيلي:
“المرة الجاية بس تسافري، خديني معك… أنا بخاف أسافر لحالي.”
قلت لك: حاضر.
… بس ما صار.
بس ما نسيت. 

وكل مرة كنت أروح فيها عمّان،
كنتي تقوليلي:
“ما تطوّلي الغياب، بنشتقلك.”

واليوم؟
أنا بحكيلك نفس الشي. ما  تطوّلي الغياب بحلم، أو منام
أو يمكن نصيحة. المهم أضل أسمع صوتك و ما أنسا. 

بيروت ،شارع الحمرا. ٨/٩/٢٠٢٢